السيد كمال الحيدري

327

دروس في التوحيد

فقوله سبحانه : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا ( الأنبياء : 22 ) معناه أنّه لو فرض للعالم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتاً متباينين حقيقة ، وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم ، فيتفاسد التدبيرات وتفسد السماء والأرض . وبهذا يتّضح التلازم بين تعدّد الآلهة وبين فساد العالم ؛ لكن القرآن لم يكتف بهذا ، بل أضاف على قوله : لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ لبيان محذور آخر ، هو : وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض . فهناك إذن لازم آخر يلزم من تعدّد الآلهة تحدّثت عنه الآية بصراحة . إلى هذه الحقيقة يشير الطباطبائي بقوله : " وقوله : وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض محذور آخر لازم لتعدّد الآلهة تتألّف منه حجّة أخرى على النفي . بيانه : إنّ التدابير الجارية في الكون مختلفة ، منها التدابير العرضية كالتدبيرين الجاريين في البرّ والبحر والتدبيرين الجاريين في الماء والنار ، ومنها التدابير الطولية التي تنقسم إلى تدبير عامّ كلّي حاكم وتدبير خاصّ جزئيّ محكوم ، كتدبير العالم الأرضي وتدبير النبات الذي فيه ، وكتدبير العالم السماوي وتدبير كوكب من الكواكب التي في السماء ، وكتدبير العالم المادّي برمّته وتدبير نوع من الأنواع المادّية . فبعض التدبير وهو التدبير العامّ الكلّي ، يعلو بعضاً ؛ بمعنى أنّه بحيث لو انقطع عمّا دونه بطل ما دونه ؛ لتقوّمه بما فوقه ، كما أنّه لو لم يكن هناك عالم أرضيّ أو التدبير الذي يجري فيه بالعموم ، لم يكن عالم إنسانيّ ولا التدبير الذي يجري فيه بالخصوص . ولازم ذلك أن يكون الإله الذي يرجع إليه نوع عال من التدبير ، عالياً بالنسبة إلى الإله الذي فوّض إليه من التدبير ما هو دونه وأخصّ منه وأخسّ ، واستعلاء الإله على الإله محال " « 1 » .

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 15 ، ص 62 .